Showing posts with label الحَرْقة. Show all posts
Showing posts with label الحَرْقة. Show all posts

Monday, January 21, 2013

الحَرْقة



في البلاد التّونسيّة يلجأ الكثير من الشّباب إلى الهجرة الغير شرعيّة إلى البلاد الإيطاليّة مستخدمين الطّريق البحريّة و تُسمّى هذه العمليّة " الحَرْقَة " .


حدّثنا أحد الإخوان عمّا آلت إليه حال ثلاثة من الخلاّن ، يُسمَّوْن تِباعا أحمد و صالح و سفيان. كانت تجمعهم الخصاصة والحرمان، ولم يفرّق بينهم مارد و لا شيطان , وبما أنّ الفقر في الوطن غربة و المال في الغربة أوطان , فقد عقدوا العزم على الرّحيل إلى بلاد الطّليان ، حيث الأمل بفرص التّكسّب وأمنيات بالأمان ، وشقّوا عباب البحر في مركب ينوء بحمله من الشّبّان

هاج بهم البحر و ماج حتّى أيقنوا بأنّهم هالكون لا محالة، فرفعوا أكفّ التّضرّع و التّذلّل إلى الله جلّ جلاله , أن أنقذنا من هذا الكرب الكبير , إنّك على ما تشاء قدير , ونجّنا و سنكون لك من الشّاكرين، فجاء الفرج وخلصوا إلى البرّ سالمين . حمد الجميع الله على السّلامة ، و ذهب ما كان بهم من النّدامة . وطبعا حلّ وقت الوفاء، بعدما أوشكوا على الغرق والفناء، فتفرّقت بهم السّبل، ومضى كلّ منهم يطارد الأمل ، ويمنّي النّفس بالحصول على عمل .

أمّا أحمد فقد فاز بشابّة حسناء، والدها يملك ضيعة غنّاء، صادفها دون موعد في الطّريق ، أين أنقذها من صلف صديق. فقرّبه والدها إليه ، بعد إنقاذه لأعزِّ ما لديه , ثمّ زوّجه البنيّة ، فأصبح في عيشة رضيّة، والتفت إلى العمل و الكدّ، و أنجبت له الزّوجة البنت و الولد ، وكان غير يائس من دعوة أمّ أولاده ، إلى دين آبائه و أجداده . فوفّقه الله في مسعاه ، ورضي عنه و أرضاه ، كما أنّه لم ينس أهله في البلد ، فبات يمثّل لهم العائل والسّند .

أمّا ثانيهم و المسمّى صالح ، فقد كان من النّوع الطّالح ، إنتقم لأيّام الحرمان ، بأن أطلق لشهواته العنان، وتاجر في صنوف المخدّرات، وأنفق ماله في الملذّات. ونسي بالتّالي عهده لمولاه ، فعاقبه على ذالك وابتلاه ، حيث أصابه مرض عضال ، ذهب بِبَصَرِهِ و أشلّ منه أسفل الأوصال، فلم ينفع معه تدخّل الحكماء، و عجز عن مداواته كلّ الأطبّاء، فأنفق كلّ ما كسبه من المال، ثمّ اضطرّ إلى المسكنة والسّؤال ، ثمّ عاد خالي الوفاض إلى البلاد، فهجره النّاس و تندّرت بمآله العباد ، وهو الآن لا يبرح سريره ، يبكي حاله ويلعن سوء تدبيره .

أمّا سفيان فقد احتضنته جماعة ، قدّمت له العون و أنقذته من المجاعة ، و فرضت عليه الوفاء والطّاعة، ثمّ انتدبته لأرذل عمل ، هو إلى التّجسّس أقرب فانصاع و امتثل .وبات يراقب المهاجرين و الزّوّار، ليرفع فيهم التّقارير ويتقصّى عنهم الأخبار، فبرع في ميدانه ، و أضحى فريد عصره و أوانه ، ثمّ قرّر من جنّده أن يزرعه في البلاد ، ليوقع بين الإخوة ويفرّق بين العباد ، لكن - كما يقال - تجري الرّياح ، بما لا تشتهي السّفن ولا الملّاح، فقد عثر عليه وهو مقتول، ونسبت الجريمة إلى مجهول .

تمّت الحكاية كما سمعناها يا إخوان، دون تصرف ولا زيادة أو نقصان .