Showing posts with label أضواء. Show all posts
Showing posts with label أضواء. Show all posts

Tuesday, January 22, 2013

أضواء من هدي القرآن الكريم (2)

أضواء من هدي القرآن الكريم (2)


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تبارك وتعالى :

(وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ((وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)

(الروم :2- 24 )

في هذه الآيات يبين الله تعالى أن من العلامات الدالة على قدرة الله تعالى العظيمة أن قدَّر لكم النوم الذي تستريحون فيه , وهو يشبه الموت , وقدَّر لكم اليقظة التي تعملون فيها, وهي تشبه الحياة بعد الموت , أليس الذي قدَّر ذلك بقادر على أن يعيد الحياة إلى أجسامكم بعد الموت الحقيقي؟!

بلى إنه قادر على ذلك جلَّ وعلا , وإن في ذلك التقدير الذي تعلمونه من حياتكم لَعلاماتٍ واضحةً لقوم يسمعون سماع تفكر وتدبر .

وكذلك من الدلالات على قدرة الله جل وعلا تكوين البرق في السحاب الذي يكون مصدرًا لخوف الناس من نزول الصواعق , ومصدرا لطمعهم في نزول الغيث الذي هو رحمة ونعمة, ومن ذلك إنزاله عز وجل المطر من السحاب الذي يعقبه حياة الأرض بالنبات بعد موتها بالجدب, أوَ ليس القادر على ذلك جل جلاله بقادر على البعث بعد الموت ؟!

بلى إنه سبحانه قادر على ذلك , وإن في هذه الأمور الظاهرة العجيبة التي يؤمن البشر بأنها من تقدير إله عظيم القدرة مايدفعهم إلى الإيمان بما أخبرهم به من بعث الحياة في الأجسام بعد الموت في الأجل المقدر لذلك , إذا كانوا ممن يستخدمون عقولهم فيما خلقها الله تعالى من أجله .

ويقول الله تبارك وتعالى :


(وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ)(وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم :25-26- 27 )



يبين الله تعالى أن من العلامات الباهرة التي تدل على عظمة قدرة الله جل وعلا قيامَ السماوات والأرض واستمساكَها بأمره الكوني وقدرته العالية من غير عمد يحملنها ولامستقر تستقران عليه , أوَ ليس هذا الأمر الظاهر الذي تشاهدونه أيها الناس دليلا على مقدرته على ماهو أقل, وذلك في إعادة الحياة إلى الأجسام بعد موتها ؟!

بلى إن ذلك دليل على مقدرته الكاملة على ذلك , وسيدعوكم أيها البشر دعوة من الارض التي دُفِنَتْ فيها أجسامكم فإذا أنتم تخرجون من غير توقف ولاتلبث إلى المحشر وقد عادت الحياة إلى أجسامكم .

والله سبحانه هو الذي له وحده كل من في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن والحيوان والنبات والجماد , كل هؤلاء له خاضعون .

وهو جل وعلا الذي يبدأ خلق الإنسان من العدم ثم يعيده بعد الموت فيحييه الحياة الدائمة, وهذه الإعادة أهون عليه جل جلاله من بداية الخلق, والكل هين عليه سبحانه وإنما هو مثل ضربه ليقرب ذلك إلى فهم الناس , وله عز وجل الوصف الأعلى في السموات والأرض , فليس كمثله شيء وهو العزيز القوي الذي لايغلب , الحكيم في أقواله وأفعاله وتدبير أمور خلقه .



الكاتب: الشيخ د.عبد العزيز بن عبد الله الحميدي

أضواء من هدي القرآن الكريم (1)

أضواء من هدي القرآن الكريم (1)


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تبارك وتعالى :

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (العنكبوت : 67 )

أي أوَلَم يشاهد كفار مكة أن الله جل وعلا قد هيأ لهم هذا البلد الأمين حرما آمنا يأمنون فيه على أرواحهم وأموالهم , بينما الناس من حولهم يعيشون في رعب وخوف من كثرة الغارات والأخذ بالثأر والسلب والنهب ؟!

أفلا يعتبرون بهذه النعمة العظيمة فيهديهم ذلك إلى شكر المنعم جل وعلا وعبادته وحده ؟! أفبالأمر الباطل الذي يعتقدونه من عبادة الأوثان يؤمنون بعد دعوتهم إلى التوحيد وظهور الحق لهم وبنعمة الله التي خصهم بها من الأمن والاستقرار هم يجحدون فيعبدون غيره وهو المنعم الوحيد عليهم؟


(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ) (العنكبوت : 68 )

[العنكبوت: 68] أي لا أحد أشدُّ ظلما ممن اختلق على الله كذبا فزعم أن الشرك والموروثات الجاهلية هي الدين الحق الذي يرضاه الله تعالى , أو كذب بالحق الذي جاءه بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهل نسي هؤلاء مصيرهم السيء الذي ينتظرهم يوم القيامة ؟ أليست جهنم هي مكانَهم في الآخرة جزاء كفرهم بنعمة الله تعالى عليهم ؟! بلى إنها مأواهم الذي يخلدون فيه .
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت : 69 )

ففي مقابل أولئك الكفار الجاحدين يوجد المؤمنون الذين جاهدوا أنفسهم الأمارةَ بالسوء وشياطين الإنس والجن من أجل الله تعالى , فإنه سبحانه سيهديهم طرق الخير الموصلةَ إلى رضوانه عز وجل وإلى سعادة الآخرة, لأنهم قد فازوا بدرجة الإحسان وإن الله عز وجل مع المحسنين بحفظه وإعانته ونصره, ومن كان الله معه فإنه لايُخذل .

ويقول الله تبارك وتعالى :

(اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الروم : 11 )

يعني أن الله عز وجل هو الذي يخلق الخلق أولا ويُنْشِؤُهم من العدم ثم يعيدهم بعد الموت أحياء , ثم إليه تُرجعون أيها الناس في الآخرة فتحاسبون على أعمالكم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر .

(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) (الروم : 12 )

أي ييأس الكفار من السعادة حينما يعلمون عن مصيرهم السيء في الآخرة .

(وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ) (الروم : 13 )

أي لم يكن لهم من الذين أشركوهم مع الله تعالى في العبادة وسطاءُ يخلصونهم من العذاب , لأن الله تعالى لايأذن لشركائهم بذلك , وكان المشركون في الآخرة بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء مع الله تعالى جاحدين كونَهم آلهة بعدما عاينوا العاقبة السيئة لعبادتهم إياهم .

(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) (الروم : 14 )

أي يتفرق المؤمنون والكفار .

(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) (الروم : 15 )

أي في رياض الجنة ينعمون ويكرمون , فهم في حبور وسرور .

(وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) (الروم : 16 )

أي مقيمون فيه مخلدون جزاء كفرهم بالله وبالقرآن وبالبعث والحساب والجنة والنار , فهم على الضد من المؤمنين عملاً وعاقبة , فلا يغتر الكفار بما هم فيه في الدنيا من التمكين في الأرض والنعم الوافرة

فإن الدنيا فانية , وإنما العبرة بالحياة الآخرة الخالدة التي يتفرق فيها الناس إلى مصائرهم وجزائهم .

الشيخ د.عبد العزيز بن عبد الله الحميدي

أضواء من هدي القرآن الكريم (3)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تبارك وتعالى

(فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم : 39-38 )

يأمر الله سبحانه المسلم بالقيام بأعمال البر والإحسان وذلك بإعطاء الأقارب حقهم من الصلة والصدقة والمعروف , وإعطاء المسكين حقه من الزكاة والصدقة , وإعطاء المسافر الذي قصرت به نفقته أو فقد ماله مايوصله إلى بلده , فذلك المعروف والإحسان خير من إمساك المال عن حقوقه الواجبة والمستحبة للذين يطلبون رضوان الله تعالى والتقرب إليه , وأولئك المنفقون هم الفائزون بثواب الله تعالى الناجون من عذابه .

وما أعطيتم أيها المسلمون من أموالكم على سبيل الهدية وأنتم تريدون العوض عنها بأكثر منها فإنكم لاتثابون عليها عند الله تعالى لأنكم لم تريدوا وجهه وإنما أردتم العوض الدنيوي وبهذا فسر الآية ابن عباس رضي الله عنهما وعدد من السلف , وذكروا من ذلك أن يعطِي الرجل من ماله لرجل من أجل أن يخدمه ويعود عليه بالنفع لا لطلب الأجر من الله تعالى , أما ما أعطيتم من أموالكم على سبيل الصدقة وأنتم تريدون ثواب الله جل وعلا فإن هذا العمل الصالح يترتب عليه مضاعفة الأجر عند الله سبحانه إلى سبعمائة ضعف في الإنفاق في سبيل الله تعالى وإلى عشرة أضعاف في وجوه الإنفاق الأخرى .

وهذه الآية صريحة في لزوم الإخلاص لله تعالى في ترتب الثواب الأخروي , وأن المعروف الذي يخلو من إرادة وجه الله جل وعلا يقتصر نفعه على الدنيا .

ويقول الله تبارك وتعالى :

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) (الروم : 42-41-40 )

يبين الله تعالى أنه وحده الذي خلقكم أيها الناس ثم رزقكم في هذه الحياة , ثم يميتكم إذا انقضت آجالكم فتنقضي حياتكم الدنيا , ثم يحييكم مرة أخرى للحياة الآخرة فتصيرون إلى الحساب والجزاء , فهل من آلهتكم الذين أشركتموهم مع الله تعالى من يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك و سواء كانت هذه الآلهة من الجماد أم من الأحياء الذين تخضعون لهم وتطيعونهم في معصية الله جل وعلا ؟!

ليس هناك من يستطيع ذلك إلا الله عز وجل وحده فتنـزه وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين.

وهو وحده جل وعلا الذي يُقدِّر الكوارث والمصائب في البر كالقحط وانتشار الأوبئة وفي البحر كالعواصف المدمرة بسبب مايقترفه البشر من المعاصي ليصيبهم بعقوبة بعض المخالفات التي ارتكبوها كي يتوبوا إلى الله عز وجل ويرجعوا عن المخالفات حتى تستقيم حياتهم .

ثم فليتأملوا وليعتبروا بمصائر الأمم الماضية كيف أخذهم الله عز وجل بعقوبات دنيوية أفنتهم وأزالت وجودهم ولم يبق إلا آثارهم بسبب شركهم بالله تعالى وتكذيبهم رسله عليهم السلام, فإن لم تعتبروا أيها المسلمون بما يصيبكم من نكبات فاعتبروا بما أصاب المكذبين من قبل من الهلاك.


الشيخ د.عبد العزيز بن عبد الله الحميدي

أضواء من هدي القرآن الكريم (4)


أضواء من هدي القرآن الكريم (4)


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تبارك وتعالى :

(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان :12- 13 ).

يخبرنا الله تعالى أنه أعطى عبدا من عباده الصالحين – وهو لقمان – الحكمة وهي الفقه في الدين وسلامة العقل والإصابة في القول والعمل , وإن من مقتضيات هذه الحكمة شكر الله تعالى على نعمه , فإن من يشكر الله جل وعلا فإنما يعود نفع شكره على نفسه , وذلك بالبركة في وقته وعلمه وعمله وماله , ومن جحد نعمة ربه عليه فإنه هو الخاسر لأن الله عز وجل غني عن شكره غير محتاج إليه , محمود من خلقه الذين يعرفون عظمته وجلاله .

واذكر – أيها الرسول – نصيحة لقمان لابنه حين قال له وهو يعظه : يابني لاتشرك بالله , فبدأ بنهيه عن الشرك لأنه أعظم الذنوب , ووصَفَ الشرك بأنه ظلم عظيم , لأن حقيقة الظلم هو صرف الحق عن أهله , والحق في العبادة لله تعالى وحده , لأنه هو الخالق وحده, فصرْف العبادة عنه إلى غيره وضعٌ للحق في غير موضعه , والحقيقة أن المشرك قد ظلم نفسه ظلما عظيما في الدنيا والآخرة , فأما في الدنيا فلأنه حرمها من السعادة الروحية التي يشعر بها الموحدون في عبادتهم لله تعالى , وأما في الآخرة فلأنه اختار لنفسه الطريق المؤدي إلى الشقاء الدائم , وحرمها من النعيم الدائم .

ويقول الله تبارك وتعالى :

(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (لقمان :14- 15 )

في هاتين الآيتين بيان عظم حق الوالدين وماينبغي عمله في أداء حقوقهما , فالله تعالى يأمر الولد ببر والديه والإحسان إليهما , ويبين شيئًا من معاناة الأم في حمل ولدها وإرضاعه ليكون ذلك أدعى إلى تذكر حقها على أولادها , فهي في أثناء حملها تنتقل من ضعف إلى ضعف لتأثير الحمل عليها, ثم تعاني الضعف والمشقة أثناء إرضاعها لمدة عامين , وبعد هذا التذكير بشيء من معاناة الوالدين تجاه أولادهما يذكر الله تعالى الوصية التي وصى بها الولد بوالديه حيث أمره بشكر والديه وشرَّفهما بقرن شكرهما مع شكره جل وعلا , وشُكرهما يكون بالقول والعمل , وذلك بمخاطبتهما بذلك والقيام ببرهما والإحسان إليهما وعدم إيذائهما بأي نوع من الأذى . ثم يبين تعالى أن المرجع إليه في الآخرة , فيكافئ المحسن إلى والديه ويعاقب المسيء إليهما .

ثم يبين الله تعالى أن طاعتهما مترتبة على طاعته جل وعلا فإذا كانا أو أحدهما على الضلال وأرادا حمل أولادهما على ذلك فلا تجوز طاعتهما , مع لزوم البقاء على برهما والإحسان إليهما , فإن في ذلك أداء لحقهما ودعوةً لهما إلى الهداية .

ثم يؤكد تعالى على أن مرجع البشر إليه في الآخرة فيحاسبهم على أعمالهم ويجازي كل إنسان بعمله , إنْ خيرًا فخير وإن شرّا فشر .

ويقول الله تبارك وتعالى :


(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان :16-17-18- 19 ).

يوصي لقمان الحكيم ابنه فيقول : يابُنيّ اعلم بأن السيئة أو الحسنة إن تكن على أصغر وزن يمكن تصوره ثم تكون في أخفى مكان من باطن جبل أو أي مكان خفي في السموات أو في الأرض فإن الله جل جلاله يعلمها وسيحاسب عليها صاحبها يوم القيامة, إن الله عز وجل لطيف دقيق العلم لاتخفى عليه خافية , خبير بكل شيء.

ثم يوصي ابنه بالقيام بأبرز الطاعات حيث يقول : يابني أَدِّ الصلاة كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها , وشارك في إصلاح المجتمع وذلك بمحاولة تطهيره من المخالفات ليكون مجتمعًا صالحا , والْزم الصبر على مايصيبك من مصائب ونكبات حتي تحافظ على سلامة نفسك من الضعف والانهيار , ولِتحصلَ على الثواب الجزيل عند الله تعالى .

إن هذه الوصايا المذكورة مما جعله الله تعالى عزيمة على عباده وأوجبه عليهم , وهي في الوقت نفسه من عزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة .

ثم نهى ابنه عن الكبرياء فقال : (ولا تصعر خدك للناس) يعني ولاتُمِل وجهك للناس إذا كلمتهم أو كلموك أو ذُكروا عندك احتقارا لهم , ولاتمش في الأرض خيلاء وتبخترا إن الله لايحب أصحاب الخيلاء المتكبرين ولا الذين يفخرون على الناس بما تميزوا به من مال أو شرف أو قوة .

ثم يوصي ابنه بأن يقصد في مشيه وذلك بأن يمشي بوقار وسكينة وأن يغض من صوته فلا يتكلف في رفعه فإن أقبح الأصوات لصوت الحمير .


الشيخ د.عبد العزيز بن عبد الله الحميدي